محمد متولي الشعراوي
6206
تفسير الشعراوى
ولذلك يجب أن نفرق بين قضاء حكم لازم قهري ليس للإنسان فيه تصرف ، وبين قدر قد قدّر من اللّه تعالى أن يفعله الإنسان باختياره ، وهذه هي عظمة علم الغيب . ومثال ذلك : هو سلوك أبى لهب « 1 » ، فقد نزل فيه قرآن يتلى : تَبَّتْ « 2 » يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) [ المسد ] وقد نزلت السورة وأبو لهب على قيد الحياة ؛ لأن الحق سبحانه قد علم أزلا أن خواطر أبى لهب لن تدفعه إلى الإيمان ، ولو أن أبا لهب امتلك ذرة من ذكاء لجاء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أنت قلت عنّى إنني سأصلى « 3 » النار ، لكن ها أنذا أعلن أنني أشهد ألا إله إلا اللّه وأشهد أنك رسول اللّه . لكن ذلك الذكاء لم يكن يملكه أبو لهب ، فقد علم اللّه أزلا أن خواطره لن تدفعه إلى الإسلام ، مثلما دفعت حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعمر بن الخطاب ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص . وكان إسلام هؤلاء رغم وقوفهم ضد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمرا واردا . وقد يقدّر البشر التقدير ، لكن هذا التقدير إنما يتم حسب المعلومات
--> ( 1 ) أبو لهب هو أحد أعمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب ، وكنيته أبو عتبة ، وإنما سمى أبا لهب لاحمرار وجهه وإشراقه كأنه اللهب . وسبب نزول السورة التي ذكر فيها ، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى : يا صباحاه . فاجتمعت إليه قريش فقال : أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ، أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبّا لك ، ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) إلى آخرها . أخرجه مسلم في صحيحه ( 208 ) عن ابن عباس . ( 2 ) تبت : هلكت أو خسرت أو خابت . [ كلمات القرآن : للشيخ حسنين محمد مخلوف ] . ( 3 ) وهو قوله تعالى : سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) [ المسد ] أي : سيشوى بنار جهنم .